بقلم: محمد يزيد زهير الناظر
يعد تعطل القطاع المالي في قطاع غزة من أعقد التحديات الاقتصادية، نظراً لكونه “الجهاز العصبي” الذي يغذي كافة الأنشطة الأخرى. إن إيجاد حلول في ظل الحرب والحصار يتطلب تفكيراً “خارج الصندوق” يدمج بين الحلول التقنية والبدائل الشعبية والضغط السياسي.
شريان الحياة المقطوع: رؤية اقتصادية لترميم القطاع المالي في غزة
يعيش قطاع غزة حالة من “الأنيميا المالية” الحادة؛ حيث أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية للمصارف، وتوقف شبكات الصراف الآلي، وشح السيولة النقدية (الكاش)، مما خلق سوقاً سوداء للعملة واستنزافاً لمدخرات المواطنين عبر عمولات غير قانونية.
أولاً: تشخيص الأزمة (لماذا تعطل النظام؟)
الاستهداف الفيزيائي: دمار المقرات الفروع وشبكات الاتصال السلكية واللاسلكية.
أزمة السيولة: توقف توريد الفئات النقدية الجديدة من البنك المركزي (سلطة النقد) بسبب إغلاق المعابر.
فقدان الثقة: تخوف المواطنين من إيداع الأموال، والميل نحو “الاكتناز المنزلي”.
ثانياً: الحلول المقترحة والمسارات البديلة
لإعادة تنشيط الدورة المالية، يجب العمل على ثلاثة مسارات متوازية:
1- التحول الرقمي الشامل (Digital Shift)
بما أن العملات الورقية (البنكنوت) تتعرض للتلف أو الفقدان، فإن الحل الأمثل هو “الرقمنة القسرية”:
تفعيل المحافظ الإلكترونية: تعزيز اعتماد التجار والمواطنين على تطبيقات مثل (Jamwal Pay, Papay) وغيرها، بحيث تصبح الدورة المالية “رقمية بالكامل” من المنتج إلى المستهلك دون الحاجة للكاش.
نقاط بيع مصغرة (Soft POS): تحويل الهواتف الذكية لدى صغار التجار إلى أجهزة استقبال دفع إلكتروني لتقليل الاعتماد على السيولة.
2- الحلول النقدية العاجلة (Liquidity Management)
وحدات صرافة متنقلة: تسيير شاحنات مصرفية مؤمنة (Mobile Branches) تصل لمراكز الإيواء والمناطق الحيوية لصرف الرواتب والمساعدات.
آلية المقاصة المحلية: إنشاء نظام “مقايضة مدعوم بنكياً” بين كبار التجار وسلطة النقد، لتدوير السيولة الموجودة في السوق دون الحاجة لنقلها مادياً عبر مناطق الخطر.
3- هيكلة الائتمان والقروض
تجميد الفوائد وإعادة الجدولة: إصدار قرارات ملزمة بوقف ملاحقة المقترضين المتضررين وتقديم “قروض استجابة طوارئ” بضمانات دولية لترميم المشاريع الصغيرة.
ثالثاً: المزايا والعيوب للحلول الرقمية
العيب / التحدي
التبعية التقنية:
الاعتماد الكلي على شبكة الإنترنت والكهرباء (المفقودة غالباً).
الأمية الرقمية:
صعوبة تعامل كبار السن أو الفئات غير المتعلمة مع التطبيقات.
الرقابة:
سهولة تتبع وتجميد الحسابات من قبل أطراف الصراع.
الميزة
الأمان:
حماية الأموال من السرقة الجسدية أو التلف تحت الأنقاض.
الشفافية:
الحد من تغول السوق السوداء وعمولات الصرافين الجائرة.
السرعة:
إمكانية وصول المساعدات الدولية والحوالات الخارجية فوراً للمستفيد.
رابعاً: الدور المطلوب من الجهات الدولية والمحلية
سلطة النقد الفلسطينية: يجب أن تلعب دور “المقرض الأخير” وتوفر حماية قانونية للمصارف العاملة في القطاع لتقليل مخاطرها.
المؤسسات الدولية: الضغط لفتح “ممرات مالية” تسمح بدخول السيولة النقدية بشكل دوري لتغطية احتياجات الرواتب والأسواق.
خاتمة المقال إن استعادة عافية القطاع المالي في غزة ليست مجرد ترف تقني، بل هي ضرورة لمنع انهيار المجتمع كلياً. إن دمج التكنولوجيا المالية (FinTech) مع إرادة سياسية دولية هو السبيل الوحيد لكسر الحصار المالي وإعادة الحياة للأسواق المحطمة.
































































































التعليق على هذا الموضوع