يُجمع محللون سياسيون، على أن تصعيد “إسرائيل” لسياسة الاغتيالات في قطاع غزة، تتجاوز البعد الأمني لتتحول إلى أداة سياسية تهدف لترميم صورة الردع أمام الجبهة الداخلية، وتوظيف التصعيد العسكري كمهرب من الأزمات الحزبية وتراجع شعبية الحكومة في استطلاعات الرأي.
ويرى المحللون في أحاديث منفصلة مع وكالة “صفا”، أن محاولة اغتيال “إسرائيل” لنجل رئيس حركة “حماس”، خليل الحية أمس، يعكس تبنيها استراتيجية “التفاوض تحت النار”، لإبقاء المسار السياسي تحت سقف القوة ومنع تحوله إلى التزام ملزم للاحتلال.
واستهدفت طائرات الاحتلال، أمس الأربعاء، عزام الحية، نجل قائد حركة “حماس”، خليل الحية، مما أدى لاصابته بجراح بالغة وارتقاء شهيد بجانبه، وذلك بالتزامن مع محادثات المرحلة الثانية الجارية في القاهرة.
ويجزم المحللون، بأنّ هذه الضربات تهدف لتخريب الجهود الدبلوماسية، ونسف ثقة الشارع في أي مشروع سياسي، مستفيدة من غياب الإدانة الدولية والغطاء الأمريكي الذي يشرعن “حرية العمل العسكري” حتى أثناء الوساطة.
ترجمة دموية
وفي هذا السياق الميداني، جاء استهداف عزام خليل الحية، كترجمة دموية لتهديد شخصي صريح تلقاه والده الحية، رئيس وفد حماس المفاوض، خلال جلسات القاهرة الأخيرة، وذلك بعد رفضه القاطع لـ”انقلاب” إسرائيلي على التفاهمات السابقة، كما يقول المختص بالشؤون الإسرائيلية، ياسر مناع.
ويرى مناع، في حديثه لوكالة “صفا”، أن الدلالة الأهم تكمن في رغبة “إسرائيل”، إيصال رسالة بأن التفاوض لا يجمّد يدها الأمنية، وأن قيادات حماس وعائلاتهم لا يتمتعون بحصانة حتى أثناء الوساطة.
ويضيف أن هذا السلوك يضع الوسطاء أمام معادلة “مفاوضات تحت النار”، حيث يُراد للضغط الميداني أن يسبق أي نقاش جدي.
ويرجح مناع أن الهدف ليس الضغط فحسب، بل إبقاء التفاوض تحت سقف القوة، ومنع المرحلة الثانية من التحول إلى مسار سياسي ملزم لإسرائيل، إلا إذا قبلت حماس شروطاً إسرائيلية أعلى.
توظيفها لاعتبارات داخلية
من جانبه، يقول المحلل عادل شديد لوكالة “صفا”، إن “إسرائيل توظف الاغتيالات ليس فقط لاعتبارات أمنية، بل لترميم ثقة جبهتها الداخلية بمنظومتها العسكرية والسياسية، وتأثير ذلك على تماسك جبهة الخصوم”.
ويشير إلى أن الجانب السياسي حاضر بقوة؛ فقد استخدمت “إسرائيل”، الاغتيالات تاريخياً لإزاحة قادة واستبدالهم بآخرين، أو لتخريب جهد سياسي وإحراج الطرف المفاوض لنسف ثقة الناس بأي مشروع سياسي مطروح.
ويؤكد شديد أن “إسرائيل” لا ترى فيما تقوم به خرقاً للهدنة بل جزءاً من “حرية العمل العسكري”، لافتاً إلى أن وتيرة التصعيد ترتبط طردياً بتراجع شعبية نتنياهو في استطلاعات الرأي أو اقتراب الانتخابات، وكأن غزة هي الساحة الدائمة للهروب من الأزمات السياسية الداخلية.
تقدم بالدم وميزان القوة
أما الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، فيصف المشهد بأنه محاولة مباشرة لـ “التفاوض بالدم”.
ويقول “بينما تُمارس الضغوط في القاهرة عبر الصياغات، تُدار في غزة ضغوط موازية بالنار. ويستذكر عفيفة أن هذا المشهد يعيد الذاكرة إلى سبتمبر 2025، حين تعرض وفد الحركة لمحاولة اغتيال غير مباشرة في الدوحة أدت لاستشهاد همام الحية، بينما كانت الحركة تدرس مقترحاً أمريكياً”.
ويرى عفيفة أن الرسالة الإسرائيلية الدائمة هي أن أي تقدم على الطاولة يجب أن يمر أولاً عبر ميزان القوة، مما خلق انطباعاً لدى الفصائل بأن الاحتلال يستخدم التصعيد، كلما اقتربت النقاشات من نقطة يمكن البناء عليها سياسياً.
لم يكن مفاجئاً
الكاتب محمد العيلة، يقول “إن هذا الاستهداف لم يكن مفاجئاً، ليس فقط لأنه طبع العدو، بل لوجود تهديد شخصي صريح وُجه للقيادي خليل الحية بدفع ثمن غالٍ، خلال جلسة التفاوض الأخيرة التي سبقت عملية الاغتيال بوقت قصير.
ويؤكد العيلة، أن هذا التصعيد جاء رداً على رفض الوفد القبول بالإملاءات الإسرائيلية “الوقحة” التي انقلبت على ما تم التوقيع والتفاهم عليه في القاهرة وإسطنبول؛ حيث طالب الاحتلال بالنزع الفوري لكافة أشكال السلاح حتى الشخصي منها، دون تقديم أي التزام أو تعهد في المقابل.
ويستطرد “كان موقف الحية صلباً بإعلانه عدم خشية التهديد، مشدداً على أن الأولوية هي لوقف القتل فوراً وتطبيق المرحلة الأولى بما تشمله من إغاثة وإصلاح للبنية التحتية قبل الانتقال لمناقشة السلاح كقضية من قضايا أخرى”.
وفي المحصلة، يُجمع المحللون، على أن المسار التفاوضي، رغم ضراوة التصعيد، لم ينهار كلياً ولكنه يتعرض لاستنزاف شديد، كون الوسطاء يواجهون معضلة العجز عن ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال، لتحويل التفاهمات النظرية إلى واقع ميداني.































































































التعليق على هذا الموضوع