عبد الرحمن ابو جامع يكتب :-
من أكثر الأزمات التي أضعها اليوم في صلب المشهد الفلسطيني، تلك التي لا تحظى بما يكفي من النقاش: أزمة الخطاب الفلسطيني.
نحن لا نعاني فقط من انقسام سياسي بين قوى وفصائل، بل نعاني من انقسام في الطريقة التي نقدم بها فلسطين للعالم، وفي اللغة التي نتحدث بها إلى شعبنا، وفي الرسائل التي نوجهها إلى المجتمعات العربية والدول الغربية والرأي العام الدولي. أصبح لكل طرف فلسطيني تقريباً لغته، ومفرداته، وأولوياته، وحتى روايته الخاصة للأحداث، إلى الحد الذي بات معه المتلقي الخارجي يسمع فلسطين بأصوات متعددة، لا بصوت سياسي وطني قادر على إنتاج رواية متماسكة.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى إلغاء التعدد السياسي، فالتعدد ظاهرة طبيعية في الحياة الوطنية، ولا يعني توحيد الخطاب إلغاء الاختلاف أو مصادرة حق أي قوة سياسية في التعبير عن رؤيتها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى تعدد في تعريف القضية نفسها، وفي تحديد مصالحها وأولوياتها وأدوات التعبير عنها.
منذ بروز قوى وأحزاب خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع تاريخياً، بدأ يتشكل إلى جانب الخطاب الوطني التقليدي ما يمكن تسميته بـ”الخطاب الموازي”.
ومع الوقت لم يعد الأمر مجرد اختلاف في الوسائل أو البرامج السياسية، وإنما أصبح لدينا أكثر من خطاب فلسطيني يتنافس على تمثيل الفلسطيني، وأكثر من جهة تتحدث باسمه، وأكثر من رواية تحاول أن تشرح للعالم ماذا يريد الفلسطيني وماذا حدث له وماذا ينبغي أن يحدث لاحقاً.
وهنا تحديداً تكمن الخطورة.
فالقضية الفلسطينية ليست بحاجة فقط إلى التعاطف الدولي، وإنما إلى رواية سياسية واضحة وقابلة للفهم والاستمرار.
وعندما يصل الفلسطيني إلى المجتمع الغربي بلغة، وإلى المجتمع العربي بلغة أخرى، ويتحدث داخل بيته بلغة ثالثة، بينما تتناقض الرسائل الصادرة عن القوى السياسية الفلسطينية نفسها، فإن المشكلة لا تعود في قدرة العالم على فهم فلسطين فقط، بل تصبح في قدرة الفلسطيني نفسه على تعريف مشروعه الوطني.
لقد ساهم الانقسام الفلسطيني، منذ عام 2007، في تعميق هذه المعضلة. لم يعد الانقسام مجرد انقسام على السلطة أو الجغرافيا، بل أنتج مع الوقت بنية سياسية وإعلامية واجتماعية كاملة لكل طرف، وأصبح لكل طرف جمهوره ومنابره ومفرداته وقراءته للتاريخ والحاضر والمستقبل.
ثم جاءت التحولات التي شهدها الإقليم العربي، خصوصاً منذ موجة الانتفاضات العربية عام 2011، لتضيف طبقة جديدة إلى أزمة الخطاب. تغيرت الاصطفافات الإقليمية، وتبدلت العلاقات بين القوى، وظهرت سرديات جديدة حول الدولة والمقاومة والإسلام السياسي والديمقراطية والثورة، وانعكست هذه التحولات بصورة مباشرة وغير مباشرة على الفلسطينيين، فأصبح الخطاب الفلسطيني في أحيان كثيرة يتأثر بالاستقطابات العربية والإقليمية أكثر مما يصنع لنفسه مساحة مستقلة تنطلق من المصلحة الوطنية الفلسطينية.
لكن الإنصاف السياسي يقتضي ألا نضع المسؤولية كلها على الانقسام أو على القوى الخارجة عن إطار منظمة التحرير.
الخطاب الرسمي الفلسطيني نفسه يتحمل جزءاً مهماً من المسؤولية.
فالخطاب السياسي لا يمكن أن يكون موسمياً، ولا يمكن أن تتغير مفرداته جذرياً بتغير الظرف السياسي أو الإقليمي. القيادة السياسية مطالبة بأن تكون أكثر ثباتاً في تعريفها للمصالح الوطنية، وأكثر وضوحاً في مخاطبة الداخل والخارج، لأن كثرة التناقضات في الرسائل السياسية تضعف الثقة حتى عندما تكون القضية التي يجري الدفاع عنها عادلة.
نحن بحاجة إلى أن نسأل بصراحة:
ماذا نقول للفلسطيني؟ ماذا نقول للعربي؟ ماذا نقول للغرب؟ وماذا نقول للإسرائيلي؟ وهل هذه الرسائل المختلفة، رغم اختلاف جمهورها، تنطلق جميعاً من مرجعية وطنية واحدة ومصالح فلسطينية محددة؟
لا أعتقد أن المطلوب أن يتحدث الفلسطينيون جميعاً بالجملة نفسها، وإنما أن يعرف العالم أن وراء تعدد الأصوات مرجعية وطنية واحدة.
وهنا تعود أهمية منظمة التحرير الفلسطينية، ليس باعتبارها عنواناً تاريخياً فحسب، وإنما باعتبارها الإطار الذي يفترض أن يعيد إنتاج فكرة التمثيل الوطني الجامع. فإذا كان الفلسطينيون يريدون تجاوز أزمة الخطاب، فإن إعادة الاعتبار للإطار الوطني الجامع يجب ألا تكون مجرد شعار سياسي، بل عملية حقيقية لإعادة بناء المرجعية، وتجديد أدواتها، وتوسيع تمثيلها، وإنتاج خطاب قادر على استيعاب الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى تعدد في الروايات الوطنية.
فالعالم لا يحتاج إلى فلسطيني واحد حتى يفهم فلسطين، لكنه يحتاج إلى فلسطينيين مختلفين لا يقدمون له فلسطين مختلفة.
وهذه هي المسألة التي يجب أن نتوقف عندها.
لقد نجحنا، بدرجات متفاوتة، في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العربي والدولي، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في بناء منظومة خطاب فلسطيني حديثة، منضبطة، متماسكة، تعرف متى تخاطب العاطفة، ومتى تخاطب السياسة، ومتى تستخدم القانون، ومتى تستخدم التاريخ، ومتى تترك للإنسان الفلسطيني نفسه أن يكون مركز الرواية.
أزمة الخطاب ليست أزمة كلمات.
إنها أزمة مرجعية، وأزمة ثقة، وأزمة إدارة سياسية للرواية الوطنية.
والأخطر أن استمرارها يجعل الفلسطيني يخسر أحياناً المعركة قبل أن يبدأها؛ لأن الرواية التي لا تستطيع أن توحد أصحابها، يصعب عليها أن تقنع الآخرين بوحدتها.
لذلك، فإن إعادة بناء الخطاب الفلسطيني ليست ترفاً إعلامياً ولا مهمة وزارة أو فصيل أو ناطق رسمي. إنها جزء من إعادة بناء المشروع الوطني نفسه.
نحتاج إلى خطاب فلسطيني جديد: لا يلغي التعدد، ولا يقدّس المؤسسة، ولا يخاف من النقد، ولا يستعير مفرداته من العواصم الإقليمية، ولا يتحدث إلى العالم بمنطقين متناقضين.
خطاب يعرف أن فلسطين أكبر من الفصيل، وأن منظمة التحرير أكبر من التنظيم، وأن الرواية الوطنية لا يجوز أن تتحول إلى ملكية حصرية لأي طرف.
فالسياسة في جوهرها ليست فقط أن تمتلك قضية عادلة، وإنما أن تعرف كيف تقدم هذه القضية، ولمن، وبأي لغة، وتحت أي مرجعية.
وهنا، في رأيي، تبدأ المعركة الحقيقية:
أن نستعيد وحدة الخطاب، قبل أن نطالب العالم بوحدة الموقف.
ملاحظة: المقالات المنشورة عبر موقع “غزة بوست” الاخباري تعبر عن رأي كاتبها فقط، وليس الموقع، حيثُ أننا نفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية مقالات وآراء.


































































































التعليق على هذا الموضوع