مقالات – غزة بوست
بقلم : عبد الرحمن ابو جامع
حجبو حامل الرسالة .. وبقيت فلسطين عنوان الرسالة
لم يكن قرار حجب حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد تفصيل يتعلق بتأشيرة سفر أو بإجراءات بروتوكولية. فحين يتعلق الأمر برئيس دولة فلسطين، وبأعلى منصة دولية تجتمع فيها دول العالم، فإن المسألة تتجاوز الشخص إلى معنى التمثيل السياسي وموقع فلسطين داخل النظام الدولي.
أن يُمنع الرئيس الفلسطيني من الوصول إلى القاعة، بينما تبقى المنصة مفتوحة أمام الطرف الآخر، يضع المجتمع الدولي أمام مشهد بالغ الدلالة. فالقضية هنا ليست في مقعدٍ شاغر، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه: من يملك حق الحضور عندما تكون القضية الفلسطينية حاضرة في قلب جدول الأعمال الدولي؟
يمكن لواشنطن أن تتخذ موقفاً سياسياً من القيادة الفلسطينية، ويمكن أن تختلف معها في ملفات ومسارات وقرارات، وهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية. لكن تحويل الخلاف السياسي إلى حجب للتمثيل الفلسطيني يفتح باباً أوسع للنقاش حول حدود السياسة، وحدود استخدام النفوذ، وحدود التعامل مع قضية باتت حاضرة في المؤسسات الدولية لعقود.
والرئيس محمود عباس، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياساته، لا يقف في الأمم المتحدة بوصفه فرداً عادياً. إنه يقف في إطار تمثيل دولة فلسطين ومؤسساتها الوطنية، ولذلك فإن محاولة إبعاده عن القاعة لا تلغي التمثيل الذي يحمله معه.
واللافت أن الحجب لم ينتج غياباً فلسطينياً كاملاً؛ فقد أُتيح للرئيس مخاطبة الجمعية العامة عبر الوسائل المرئية. وهنا تظهر المفارقة السياسية: أُغلق الباب أمام الجسد، لكن بقي الصوت حاضراً.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تتوقف عندها السياسة الفلسطينية.
لا ينبغي أن تتحول هذه القضية إلى معركة دفاع عن شخص، بل إلى دفاع عن حق التمثيل الفلسطيني. فالرئيس يمكن أن يُنتقد، والقيادة يمكن أن تُحاسب، والسياسات يمكن أن تُناقش، لكن ذلك لا يعني أن يصبح التمثيل الوطني رهينة للخلافات السياسية.
فلسطين أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأعمق من اللحظة السياسية.
ومن هنا، فإن قوة الموقف الفلسطيني لا تكمن في رفع الصوت فقط، وإنما في تحويل هذه الواقعة إلى سؤال سياسي أمام المجتمع الدولي: هل يمكن أن تكون فلسطين حاضرة في القرارات والنقاشات الدولية، ثم يُحجب ممثلها عن المنصة التي يُفترض أن تُسمع فيها هذه القضية؟
إنها لحظة تكشف شيئاً مهماً عن طبيعة الصراع السياسي المعاصر: المعركة لم تعد فقط على الأرض، وإنما أيضاً على الرواية، والتمثيل، والمصطلحات، والمنابر التي يُسمح من خلالها لكل طرف أن يخاطب العالم.
ولهذا، فإن حجب الرئيس محمود عباس لا ينبغي أن يُقرأ فلسطينياً باعتباره نهاية المشهد، بل باعتباره مناسبة لإعادة تعريف معنى الحضور.
قد يُحجب الرئيس عن القاعة، لكن لا يمكن حجب فلسطين عن القضية.
وقد يُمنع الممثل من الوصول إلى المنصة، لكن لا يمكن منع القضية من الوصول إلى العالم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر قائماً:
إذا كان بالإمكان حجب رئيس فلسطين عن القاعة، فمن يستطيع أن يحجب فلسطين نفسها عن جدول أعمال العالم
ملاحظة: المقالات المنشورة عبر موقع “غزة بوست” الاخباري تعبر عن رأي كاتبها فقط، وليس الموقع، حيثُ أننا نفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية مقالات وآراء.

































































































التعليق على هذا الموضوع