واقع الذخائر غير منفجرة ما بعد وقف الحرب على قطاع غزة
إعداد الباحثة :-
منى مثقال أبورمضان
اولا : ا لمقدمة
تعرض قطاع غزة منذ اندلاع الحرب التي شنتها إسرائيل بتاريخ 7 أكتوبر/ تشرين الاول 2023 إلى دمار واسع باستخدام مختلف الأسلحة براً وجوا،ً وبرغم أن إعلان وقف إطلاق النار بتاريخ 20 أكتوبر/ تشرين الاول2025 أوقف الحرب والقتال، لكنه لم ينه الأزمات الناتجة عن الحرب من دمار البنية التحية، والنزوح، والفوضى، والطرق المدمرة، وانهيار الخدمات الأساسية والذخائر غير المنفجرة، وهذه الأخيرة هي الأخطر.
حيث نتج عن الحرب التي استمرت قرابة العامين سقوط أطنان من الذخائر غير المنفجرة في جميع أنحاء القطاع ما بين القنابل اليدوية والطلقات النارية الى القذائف الصاروخية والمدفعية بمختلف ُ العيارات لاسيما الثقيلة، م ً وزعة ما بين المناطق السكنية والأراضي الزراعية والطرق العامة، ما يشكل تهديداً لحياة السكان اليومية، ويتطلب معالجة فورية ومكثفة، كما أنه يشكل تحديا كبيراً أمام جهود إعادة الإعمار ورفع الأنقاض.
تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على خطورة الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة وتداعياتها الكارثية على حياة المدنيين وعمليات إعادة الإعمار، وتبيان المسؤولية القانونية التي يتحملها الاحتلال الإسرائيلي وفق قواعد القانون الدولي الإنساني. كما تسعى إلى تقديم صورة شاملة مدعمة بالأرقام والتوز ً يع الجغرافي لحجم الظاهرة والتحديات الميدانية المرتبطة بها، وصولا إلى وضع توصيات عملتية وقابلة للتنفيذ تدعم جهود المؤسسات الدولية والمحلية في الاستجابة العاجلة لهذه الأزمة.
ثانياً : تعريف الذخائر غير المنفجرة (UXO – Ordnance Unexploded(
بحسب المادة (2) من البروتوكول الخامس، فهي ذخائر متفجرة تكون جاهزة للانفجار أو مزودة ً بصمام أو مسلحة أو معدة على نحو آخر للاستخدام ثم استخدمت فعلا في نزاع مسلح، وربما ُ تكون هذه الذخائر قد أطلقت أو ألقيت أو رمي بها أو أسقطت وكان ينبغي أن تنفجر ولكنها لم تنفجر، او هي التي لم تستخدم في أثناء نزاع مسلح، وتركها أو ألقاها طرف في نزاع مسلح ولم تعد خاضعة لسيطرة الطرف الذي تركها أو ألقاها.
كما تنص المادة (3) من البروتوكول المذكور على أن الدولة أو الطرف الذي استخدم الذخائر هو المسؤول قانونياً عن إزالة مخلفات الحرب المتفجرة الواقعة في الأراضي التي كانت تحت سيطرته.
وفي قطاع غزة، يتحمل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية القانونية الكاملة عن إزالة الذخائر التي خلفها جراء عملياته العسكرية في قطاع غزة، وفقاً لمبدأ المسؤولية الدولية عن الأضرار الناتجة عن الأعمال غير المشروعة.
ثالثاً : الذخائر غير المنفجرة في القانون الدولي الإنساني:
إن هذه الظاهرة لا تشكل خطر ً ا أمني ً ا فحسب، بل تمثل انتهاكً ا واضحا لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استخدام الأسلحة ذات الأثر العشوائي طويل المدى، كما تلزم أطراف النزاع باتخاذ التدابير الممكنة للحد من آثار العمليات العسكرية على المدنيين، كما تفرض مسؤولية معالجة مخلفات الحرب وإزالة مخاطرها بعد توقف الأعمال العدائية.
وقد نظم ذلك اتفاقية “حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر” لعام 1980 بصيغتها المعدلة في 21 ديسمبر/ كانون الأول ،2001 والتي يشار إليها عادة باسم “الاتفاقية المتعلقة بأسلحة تقليدية معينة” والتي تعتبر صكاً رئيسياً من صكوك القانون الإنساني الدولي.
وقد أشار البروتوكول الخامس الملحق بالاتفاقية والذي تم اعتماده عام 2003 إلى مفهوم “مخلفات الحرب المتفجرة” والذي يقع ضمنه مصطلح “الذخائر غير المنفجرة”، وقد ألزم هذا البروتوكول أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير الممكنة لتحديد أماكن الذخائر غير المنفجرة، ووضع العلامات عليها، وتطهيرها في أسرع وقت ممكن بعد انتهاء العمليات القتالية.
رابعاً : حقائق وأرقام
حجم الذخائر غير المنفجرة:
.1 تشير التقديرات (بحسب مركز غزة لحقوق الانسان) إلى تراكم نحو 65 إلى 70 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير آلاف المنازل والمنشآت والمرافق الحيوية في قطاع غزة
.2 يوجد أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة لم تنفجر بعد وتشكل قنابل قتل موقوتة، وهي أرقام كبيرة مقارنة بصغر مساحة القطاع وتمركز سكانه في نطاقات ضيقة بفعل أوامر التهجير والنزوح وعمليات التدمير الواسعة التي نفذتها إسرائيل.
عدد الضحايا والاصابات
.1 بينت نتائج مسح حديث (ابريل 2026) أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام UNMAS ” “أن أكثر من 1000 شخص فقدوا حياتهم في قطاع غزة بسبب مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة والتي تركتها إسرائيل بعد انتهاء الحرب، مع الإشارة الة ان العدد الحقيقي للضحايا يرجح أن يكون أعلى بكثير.
.2 بناء على ما تم رصده يوجد ذخيرة واحدة كل 600 متر تقريبا.ً
.3 أعلنت منظمة Children The Save في تقرير لها أن الأسلحة غير المنفجرة قد أدت إلى إصابة نحو 475طفل شهرياً بإعاقات قد تستمر معهم مدى الحياة.
وقد حذرت الأمم المتحدة من خطورة انتشار الذخائر غير المنفجرة حيث تتسبب بشكل متكرر في مقتل المدنيين وإصابتهم بإعاقات دائمة.
.4 سجلت العديد من الاصابات بين فئات اكثر من غيرها وهي: الأطفال، و نباشين النفايات، و جامعي الخردة، والباحثين بين الردم والركام في الأبنية المهدمة على بعض المواد؛ حيث عمل الاحتلال بشكل مدروس لعقلية المواطن الغزي وإحتياجاته الحالية على تفخيخ الحديد والاخشاب بالإضافة إلى تفخيخ المعلبات وألعاب الأطفال وغير ذلك؛ وهو ما تم ملاحظته من المواطنين في القطاع بعد تسجيل العديد من الإصابات، و لم يتم اثبات كل ذلك في التقارير الدولية رسميا حتى الان.
.5 العديد من هؤلاء الضحايا كانوا من السكان الذين عادوا لأماكن سكنهم الاصلية بعد انتهاء الحرب، حيث كانت أماكن يحظر الوصول لها، وهي مليئة بالذخائر غير المنفجرة بين الأنقاض.
وبحسب تصريح خبير إبطال المتفجرات البريطاني السابق “نيكولاس أور”، العائد من مهمة في قطاع غزة لصالح منظمة “هانديكاب إنترناشونال” ، فقد أكد على أن الأطفال معرضون بشكل ً خاص لمخاطر هذه الذخائر، حيث يرى أنها ملفتة بصريا لهم، كأنها ذهب، لذا فهي تشكل عامل جذب خاص للأطفال”، ما يؤدي لالتقاطها ثم حتماً انفجارها.
التوزيع الجغرافي للذخائر غير المنفجرة
.1 وفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ودائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام UNMAS” ”تتوزع الذخائر في القطاع كالتالي:
خان يونس: تُ عد الأكثر تلوثاً بالذخائر وتضم نحو 2,000 طن؛ وتحتاج وحدها لأكثر من 12 عاماً لتطهيرها بسبب كثافة الدمار.
المحافظة الوسطى: تشمل مخيمات النصيرات والمغازي والبريج ودير البلح، وتحتوي على قرابة 1,500 طن من المخلفات غير المنفجرة.
رفح: تركت العمليات العسكرية فيها ما يقارب 800 طن من الذخائر غير المنفجرة.
غزة والشمال: تحولت أحياء كاملة إلى ركام يختزن آلاف الأطنان من القذائف “العمياء” المدفونة تحت الأنقاض.
.2 بحسب الخبير “اور” من منظمة “هانديكاب انترناشونال” فقد أكد أنه في شمال غزة، حيث دارت معارك برية، تنتشر ذخائر مثل “قذائف الهاون، والقنابل اليدوية، وكثير من الرصاص”.
أما في رفح (جنوبا)، حيث كانت الغارات الجوية أكثر كثافة من القتال البري، فتنتشر “ذخائر سقطت من الجو”، ويصل وزن بعضها إلى عشرات الكيلوغرامات.
المدفعية والذخائر التي أتظهر الخرائط التالية والتي نشرتها منظمة أوتشا ( انظر الموقع الرسمي): أولا الخريطة الأولى (على اليسار) المناطق المصنفة ذات مخاطر متوسطة وعالية، كما تظهر الخريطة الثانية (على اليمين) الكثافة المشتبه بها للذخائر المتفجرة، في الفترة ما بين 7 أكتوبر 2023 الى فبراير ،2026 وذلك ضمن المناطق التي يمكن الوصول إليها في القطاع.
خامساً : تحديات مرتبطة بإزالة الذخائر غير المنفجرة
هناك العديد من التحديات على أرض الواقع مرتبطة بإزالة الذخائر غير المنفجرة من القطاع ومنها:
.1 الكثافة السكانية المرتفعة: خاصة بعد تكدس السكان في مناطق محددة من القطاع بعد احتلال إسرائيل لما يزيد عن نصف مساحة قطاع غزة، مما يجعل من الصعب بمكان إجراء تقييم كامل أو البدء الفعلي بإزالة هذه الذخائر غير المتفجرة.
.2 الدمار الشديد والشامل؛ مما يصعب إمكانية التخلص من كل الذخائر والوصول لها والحاجة لوقت أطول قد يصل إلى 10 سنوات بأفضل تقدير.
.3 التكلفة المرتفعة: حيث قدرت الأمم المتحدة أن التعامل مع الذخائر غير المتفجرة يتطلب نحو $541,000,000 شريطة الحصول على كل التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة.
سادساً : الاثار الناتجة عن انتشار الذخائر غير المنفجرة
.1 بحسب منظمة الاتحاد من أجل العدالة UFJF ““أدى وجود وانتشار الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة إلى سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء الذين يعودون إلى منازلهم المدمرة أو المزارع المتروكة.
.2 الإعاقات المستدامة: تسبب الانفجارات إصابات بالغة تؤدي غالباً إلى بتر الأطراف والتشوهات الجسدية الدائمة، مما يزيد من الضغط على القطاع الصحي المنهك أساسا.ً
.3 كما تمنع كثافة هذه الذخائر وصعوبة الوصول اليها من القيام بعمليات إعادة الإعمار، ويشكل عقبة أمام عودة الحياة الطبيعية بعد الهدنة.
.4 أن انتشار هذه الذخائر في المناطق الزراعية يهدد الأمن الغذائي، حيث أشار تقرير للاغاثة الزراعية إلى أن الذخائر غير المنفجرة (UXO (في غزة تؤدي إلى عزل الأراضي الزراعية، وضرب سبل العيش.
وتُ عتبر هذه الأضرار انتهاكاً للمادة (55) من البروتوكول الإضافي الأول لعام ،1977 التي تحظر ُ استخدام أساليب أو وسائل قتال يتوقع أن تُ حدث أضراراً واسعة وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية.
.5 من الناحية البيئية: تلوث الأرض والتربة والمياه الجوفية بالمعادن السامة والمواد الكيميائية، ما سينعكس على المدى القريب والبعيد على صحة السكان والتسبب بالأمراض المزمنة ومشاكل صحية، اضافة لتأثيرها على الحياة البحرية والزراعية وجودة الهواء والمياه في القطاع، بحسب ما أكده المهندس البيئي سعيد العكلوك.
الخاتمة و التوصيات:
تشكل الذخائر غير المنفجرة المتروكة في قطاع غزة قنابل موقوتة تهدد التنمية والاستقرار، وتستمر في حصد أرواح المدنيين والتسبب بإعاقات دائمة للأطفال والنساء والمواطنين العائدين إلى منازلهم، مما يضاعف من وطأة المأساة الإنسانية ويكرس حالة التهديد الدائم حتى بعد وقف القتال. إن الاستجابة لهذه الأزمة تتطلب توحيد الجهود الدولية والمحلية وتوفير الإرادة السياسية والتمويل اللازم لتطهير القطاع وضمان أمن وسلامة سكانه.
وعليه توصي الورقة بما يلي:
.1 الاستجابة التوعوية الميدانية: إطلاق وتطوير برنامج توعوي شامل وخطط طوارئ قصيرة المدى بالتعاون بين المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني، يستهدف بناء وعي المجتمعات المحلية ولا سيما الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الأطفال والمزارعين وجامعي الخردة زكيفية التعرف على الأجسام المشبوهة والإبلاغ عنها وتفادي مخاطرها.
.2 الضغط الدولي: ممارسة ضغوط دولية جادة ومباشرة على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لإلزامها بالوفاء بمسؤولياتها القانونية، وإرغامها على إدخال المعدات الفنية المتخصصة وفرق الخبراء الدوليين دون عوائق لتسهيل عمليات الكشف والتطهير.
.3 حشد التمويل العاجل: دعوة الدول المانحة والمؤسسات الدولية التمويلية للوفاء بالتزاماتها وتخصيص الميزانيات المطلوبة بشكل عاجل لتمويل عمليات إزالة المخلفات المتفجرة كشرط أساسي مسبق للبدء بمشاريع رفع الأنقاض وإعادة الإعمار.
.4 تأسيس آلية تنسيق وطنية ودولية: إنشاء هيئة أو منصة تنسيقية مشتركة تجمع بين دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (UNMAS(، والجهات الحكومية، والمؤسسات الأهلية المحلية، لتوحيد البيانات وتحديد الأولويات الجغرافية لتطهير الأراضي السكنية والزراعية والمنشآت الحيوية.
المراجع:
.1 الاتفاقية المتعلقة الاتفاقية المتعلقة بأسلحة تقليدية معينة، موقع الأمم المتحدة: https://disarmament.unoda.org/ar/our-work/conventional-arms/convention-certain-conventional-weapons
.2 مقال بعنوان “مركز حقوقي: الذخائر غير المنفجرة تهدد حياة السكان في غزة”، المركز للإعلام الفلسطيني، الرابط: https://palinfo.com/news/04/04/2026/1105082/
.3 تقرير سنوي 2025 الخاص بـدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام UNMAS” “، الموقع الرسمي، الرابط: https://www.un.org/unispal/wp-content/uploads/04/2026/UNMAS-Annual-Report-spread-online_version.pdf
.4 مقال بعنوان ” ذخائر غير مفجرة تهدد أطفال غزة”، موقع هيسبريس الاخباري، الرابط: https://www.hespress.com/%D8%B0%D8%AE%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%AF-%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-1538562.html
.5 الموقع الرسمي لمكتب الأمم المتخدة تنسيق الشؤون الإنسانية، الرابط: https://www.unocha.org
.6 تقرير، مؤسسة الاتحاد من أجل العدالة (UFJF)، الرابط: https://ufjf.org.ps/مخاطر-الذخائر-غير-المنفجرة-في-غزة-بعد-و/
.7 ورقة مناصرة، الذخائر الغير منفجرة، الإغاثة الزراعية الفلسطينية
.8 مقال بعنوان” الذخائر غير المتفجرة في غزة موت صامت يطارد السكان بعد توقف القتال”، وكالة الأنباء الصينية شينخوا بالعربية، الرابط: https://arabic.news.cn/20251026/2fe04f3840a1408b94cc8814f4fbcc80/c.html































































































التعليق على هذا الموضوع